العلامة المجلسي

141

بحار الأنوار

جلاله - وظائف هذه الليلة من غير تثاقل ولا تكاسل ولا إعجاب ، فأنت ذلك المخلوق من التراب ، الذي شرفك مولاك رب الأرباب ، وخلصك من ذلك الأصل الذميم وأتحفك بهذا التكريم والتعظيم ، واخدمه واعرف له قدر المنة عليك ، ولا يخطر بقلبك إلا أن هذه العبادة من أعظم إحسانه إليك ، وأنت تعبده لأنه أهل والله للعبادة فإنك مستعظم لنفسك كيف بلغ بك إلى هذه السعادة . واعلم أنك إن عبدته لأجل طلب أجرة على عبادتك ، كنت في مخاطرتك كرجل كان عليه لبعض الغرماء الأقوياء الأغنياء ديون لا يقوم لها حكم العدد والاحصاء ، فاجتاز هذا الذي عليه الديون الكثيرة ، مع غريمه صاحب الحقوق الكثيرة ، على سوق فيه حلاوة ، فاقتضى إنعام الغريم أنه اشترى لهذا الذي عليه الدين العظيم ، طبقا من تلك الحلاوة العظيمة اللذات ، وكلفه حملها إلى دار الغريم ليأكلها الذي عليه الديون وحده على أبلغ الشهوات ، فلما أكلها الذي عليه الديون الكثيرة وفرغ من أكلها ، قال للغريم : إن هذه الحلاوة قد حملتها معك ، فأعطني رغيفا اجرة حملها ، فقال له الغريم : إنما حملتها على سبيل المنة عليك ، ولتصل هذه الحلاوة إليك ، وما كنت محتاجا أنا إليها ، ولي ديون كثيرة عليك ما طالبتك بها ، فكيف اقتضى عقلك أن تطلب رغيفا أجرة حمل حلاوة ما كلفتك وزن ثمن لها ، فهل يسترضي أحد من ذوي العقول السليمة ما فعله الذي عليه الديون من طلب تلك الأجرة الذميمة . فكذا حال العبد مع الله جل جلاله ، فان القوة التي عمل بها الطاعات من مولاه ، والعقل والنقل الذي عمل به العبادات من ربه مالك دنياه واخراه ، والعمل الذي كلفه إياه إنما يحصل نفعه للعبد على اليقين ، والله جل جلاله مستغن من عبادة العالمين ، ولله جل جلاله على عباده من النعم بانشائه وإبقائه وإرفاده وإسعاده ما لا يحصيها الإنسان ، ولو بالغ في اجتهاده ، فلا يقتضى العقل والنقل أن يعبد لأجل طلب الثواب ، بل يعبد الله جل جلاله لأنه أهل للعبادة . وله المنة عليك ، كيف رفعك عن مقام التراب والدواب وجعلك أهلا للخطاب والجواب